حيدر حب الله

44

شمول الشريعة

الواقعة هي التي لا تخلو من حكم ، بمعنى أنّ الشريعة لها موقف شرعي إزاء هذه الظاهرة ، مثل : وجوب حساب التضخّم في أداء الديون ، وهكذا ، فالواقعة ليست هي المتعلّق ، بل المتعلّق هو الذي يكون بفعله في مورد الوجوب أو تركه في مورد الحرمة واقعاً في سياق معالجة الواقعة والسير بها نحو أفضل وضع ممكن ، أو هو المسار العملي الأسلم في ظلّ هذه الواقعة . ولعلّ تعبير الواقعة يرجّح الشكل الثاني لتفسير قاعدة الشمول ؛ فنحن نجد مثل هذا التعبير في بعض الروايات التي تتحدّث عن أنّ الوقائع الحادثة يلزم الرجوع فيها إلى رواة الحديث ، فإنّه ليس المراد إلا أنّ بعض المستجدّات أو الظروف الطارئة يرجع في بيان الموقف العملي في ظلّها إلى رواة الحديث الحاملين للشريعة . بيد أنّ الشكل الثاني لتفسير القاعدة يضعنا - جزئيّاً - أمام فكرة سوف تأتي إن شاء الله تعالى في الفصل الثالث من فصول هذا الكتاب ، وهو ما طرحه غير واحدٍ من المفكّرين المعاصرين كالدكتور عبد الكريم سروش ، من أنّ الشريعة لم تأت لوضع برامج لحلّ القضايا السياسيّة والاقتصاديّة والأمنية وغير ذلك ، بل إنّ القانون ليس برنامجاً للعمل أساساً ولا يدّعي ذلك . ما أريد قوله هو أنّ الصياغة الثانية للقاعدة تضعنا أكثر أمام احتمالية الدخول في تصادم مع فكرة سروش ، بينما الشكل الأوّل لها يمكنه أن يخفّف من ذلك ، بأنّ يقال : إنّ غاية ما ندّعيه هو أنّ الشريعة أعطت حكماً شرعيّاً لكلّ تصرّف ، لكنّها لم تدّع أنها وضعت برامج عمل للنهوض بالاقتصاد أو حلّ مشاكل السياسة والأسرة والأمن ، وعلى أيّة حال فهذا موضوع سيأتي الحديث فيه والنقاش في ملابساته . 3 - بين مفاهيم : الجامعيّة والشموليّة والكمال تُطلق هذه المفردات الثلاث في الأدبيات الدينيّة في إطار توصيف الشريعة السماويّة ، ويمكن تصوّر معانٍ لها على الشكل الآتي : أ - إنّ مفهوم الجامعيّة مفهوم نسبي جداً ، لا يمكن فهم معناه إلا في ضوء متعلّقه والشيء الذي تكون الشريعة بالنسبة إليه جامعةً ، فإذا أخذنا أفعال الأفراد مثلًا فإنّ معنى الجامعيّة هو أنّ الشريعة لها حكم يتصل بكلّ فعل من هذه الأفعال ، أمّا لو أخذنا كلّ ما يحتاجه الناس لقيامة حياتهم ، فإنّ الأمر يغدو أكثر سعةً ، فإنّ البرامج الاقتصاديّة والتقنيات المساعدة والخطط